ابن رشد
38
تهافت التهافت
النفس . أعني حكم العقل عليه بالشفع والوتر في حال عدمه ، وفي حال وجوده . وأما ما كان موجودا بالقوة ، أي ليس له مبدأ ولا نهاية ، فليس يصدق عليه ، لا أنه شفع ، ولا أنه وتر ، ولا أنه ابتدأ ولا أنه انقضى ، ولا دخل في الزمان الماضي ، ولا في المستقبل ، لأن ما في القوة في حكم المعدوم . وهذا هو الذي أراد الفلاسفة بقولهم : إن الدورات التي في الماضي والمستقبل معدومة . وتحصيل هذه المسألة أن كل ما يتصف بكونه جملة محدودة ، ذات مبدأ ونهاية ، فإما أن يتصف بذلك من حيث له مبدأ ونهاية خارج النفس ، وإما أن يتصف بذلك من حيث هو في النفس ، لا خارج النفس . فأما ما كان منه كلا بالفعل ، ومحدودا في الماضي ، في النفس وخارج النفس ، فهو ضرورة ، إما زوج وإما فرد ، وأما ما كان منها جملة غير محدودة خارج النفس ، فإنها تكون محدودة إلا من حيث هي في النفس ، لأن النفس لا تتصور ما هو غير متناه في وجوده ، فتتصف أيضا من هذه الجهة بأنها زوج أو فرد . وأما من حيث هي خارج النفس ، فليست تتصف لا بكونها زوجا ، ولا فردا . وكذلك ما كان منها في الماضي ، ووضع إنه بالقوة خارج النفس ، أي ليس له مبدأ ، فليس يتصف لا بكونه زوجا ولا فردا ، إلا أن يوضع بالفعل ، أعني كونها ذات مبدأ ونهاية . فكل ما كان من الحركات ليس لها كل ولا جملة ، أعني ذات مبدأ ونهاية ، إلا من حيث هي في النفس ، كالحال في الزمان والحركة الدورية ، فواجب في طباعها أن لا تكون زوجا ولا فردا ، إلا من حيث هي في النفس . والسبب في هذا الغلط أن الشيء إذا كان في النفس بصفة أوهم أنه لا يوجد خارج النفس بتلك الصفة . ولما لم يكن شيء مما وقع في الماضي يتصور في النفس إلا متناهيا ، ظن أن كل ما وقع في الماضي أن هكذا طباعه خارج النفس . ولما كان ما وقع من ذلك في المستقبل ، تعين على ما لا نهاية فيه التصور بأن يتصور جزءا بعد جزء ، ظن أفلاطون والأشعرية أنه يمكن أن تكون دورات الفلك في المستقبل لا نهاية لها . وهذا كله حكم خيالي لا برهاني . ولذلك كان أضبط لأصله ، وأحفظ لوضعه ممن وضع أن للعالم مبدأ أن يوضع أن له نهاية كما فعل كثير من المتكلمين .